لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نختزل المشكلة الطائفية في بعدها القانوني، فالجذور الاجتماعية للاحتقان الطائفي تمتد إلى صلب البناء المجتمعي المصري على مدار عقود طويلة، وهي بالتالي أعمق وأكثر تشعبًا من أن تجتث عبر محض اجراءات قانونية. لكننا في اتحاد الشباب الليبرالي المصري نعي جيدًا أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، خاصة وأن القضية الطائفية صارت بمثابة سلسلة من الألغام المخبوءة التي لا يعرف أحد متي...

لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نختزل المشكلة الطائفية في بعدها القانوني، فالجذور الاجتماعية للاحتقان الطائفي تمتد إلى صلب البناء المجتمعي المصري على مدار عقود طويلة، وهي بالتالي أعمق وأكثر تشعبًا من أن تجتث عبر محض اجراءات قانونية. لكننا في اتحاد الشباب الليبرالي المصري نعي جيدًا أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، خاصة وأن القضية الطائفية صارت بمثابة سلسلة من الألغام المخبوءة التي لا يعرف أحد متي ولا أين ستنفجر مجددًا. باختصار، ومع اعترافنا بأن العلاج الناجع لأمراض الطائفية لن يتأتى إلا على المدى الطويل، فإننا ندرك أن علينا أن نتحرك سريعًا ولو بالتسكين، كيلا يتفاقم الصدع ويغدو رأبه مستحيلا. ومن ثم فإننا نطرح على الرأي العام المصري المبادئ الرئيسية لحزمة قانونية ثلاثية نراها كفيلة بتخفيف حدة النزاع الطائفي وتوفير المناخ الملائم للشروع في اجتثاث جذوره الاجتماعية.
أولا: العودة إلى حق الملكية وتجاوز فكرة القانون الموحد في مسألة بناء الكنائس
لا داع هنا للخوض في الجدل القانوني والتاريخي حول مسألة بناء الكنائس في مصر، فالواقع أبلغ من أي دليل. فأولا: يعاني مسيحيو مصر الأمرين من أجل الحصول على رخصة بناء أو توسيع أو ترميم كنيسة، وثانيًا: حتى بعد الحصول على الترخيص، غالبًا ما يواجه القائمون على الكنيسة المعنية تحرشات عدة من قبل السلطات أو المسلمين المقيمين في المنطقة المجاورة، وهو ما قد ينتهي إلى مواجهات دامية ما تكرر عدة مرات في السنوات الأخيرة. الحل المطروح حاليًا يتمثل في قانون موحد لدور العبادة، يحدد شروط الترخيص لدور العبادة جميعًا، وهو ما نراه إقحامًا للدولة فيما ليس من شأنها، وتكريسًا للطائفية عمومًا وتعميقا للمشكلة المسيحية بشكل خاص. ففي رأينا، أولا، أن حق الملكية الخاصة هو الأصل، وأن من يملك الأرض يحق له أن يشيد عليها ما يشاء، مع الالتزام بقواعد السلامة العامة. بمعنى آخر، لا تحتاج دور العبادة إلى ترخيص خاص يختلف عن تراخيص المباني السكنية أو الإدارية. وثانيا، ترتكز معظم مقترحات القانون الموحد على منطق المحاصصة، أو الكوتا، بمعنى أن يتم ربط تراخيص الكنائس بنسبة المسيحيين للمسلمين في منطقة بعينها، أو ربط عدد الكنائس بعدد المساجد، وهو ما يمثل إجحافا لا معنى له. وثالثا، تنطوي فكرة الترخيص ذاتها على خطر بالغ، خاصة وأن القوانين القائمة ومعظم مقترحات القانون الموحد تمنح الترخيص بناءًا على السلطة التقديرية لموظف عمومي (رئيس الجمهورية، المحافظ، إلخ)، وهو ما يفتح الباب للاتهامات الجزافية بالتحيز ضد هذا الدين أو ذلك، ومن ثم للعنف والشغب. رابعًا، حتى وإن افترضنا أن القانون سيطبق دونما انحياز، فإنه سيعني عمليًا تقييد بناء المساجد وليس رفع القيد عن بناء الكنائس.
الخلاصة أننا نقترح رفع كافة القيود على بناء دور العبادة في مصر، وأن يكون حق الملكية وحده هو الأساس في تقرير إمكانية بناء دور العبادة، دون النظر إلى ما عدا ذلك من اعتبارات. وكذلك فإننا نقترح اعتبار أي اعتداء على دار للعبادة باعتباره اعتداء على ملكية خاصة، يحاسب مقترفه مدنيًا وجنائيًا تبعًا لنصوص القانون المصري في هذا الشأن.
ثانيا: إقرار التحول الديني عبر مصلحة الشهر العقاري
بالرغم من رفضنا الأصيل لتعريف الأفراد على أساس انتمائهم الديني، وإيماننا الكامل بحرية الاعتقاد، فإننا لا نستطيع التجاوز عن الاحتقان الذي يصاحب قضايا التحول الديني في مصر. ومن ثم، فإننا ندعو لإقرار قانون يقضي بأن يكون التحول الديني عن طريق إقرار موثق بمصلحة الشهر العقاري، بشرط أن يكون صاحب الإقرار بالغًا سن الرشد ومتمتعًا بكامل قواه العقلية وأن يوقع على الإقرار في حضور محاميه، بغض النظر عن الإجراءات الدينية المتبعة في الأزهر أو الكنيسة أو غيرهما من المؤسسات، ومن ثم لا يعتبر متحولا إلا من يحمل مثل هذا الإقرار. بهذا الشكل يمكن درء كافة الادعاءات التي تحوم حول قضايا التحول الديني، فيما يتعلق باختطاف القصر أو الإناث أو غيرها من القضايا، والتحرك قانونيًا ضد مروجي هذه الادعاءات حال ثبوت كذبها.
ثالثا: إصدار قانون لحظر التمييز الديني
يسود الوسط المسيحي في مصر قناعة عامة بوقوع المسيحيين تحت اضطهاد ممنهج من قبل الدولة والمؤسسات العامة والخاصة (التعيينات الإدارية، تعيينات الجامعات، اختيار اللاعبين في الفرق الرياضية، إلخ)، وهو - وإن لم يخل من مبالغة في كثير من الأحيان - ما دفع المسيحيين للانعزال - قسرًا وطواعية - إلى شبكاتهم المجتمعية الخاصة. ومن ثم فإننا نقترح قانونًا لحظر التمييز الديني في المؤسسات العامة والخاصة، يعجل بإجراءات الفصل في دعاوى التمييز ويعالجها بالتصحيح والتعويض معًا (وليس التعويض فقط)، كما ينص تفصيلا على الاستثناءات التي يعتبر فيها التمييز جائزا، كما الحال مع الوظائف ذات الطبيعة الدينية على سبيل المثال. والهدف من هذا المقترح لا يقتصر على رفع الظلم في حالات التمييز، وإنما أيضًا تخفيف حدة إحساس المسيحيين بالاضطهاد ودفعهم للتفاعل الإيجابي مع المجتمع ولو عن طريق التقاضي.
لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نختزل المشكلة الطائفية في بعدها القانوني، فالجذور الاجتماعية للاحتقان الطائفي تمتد إلى صلب البناء المجتمعي المصري على مدار عقود طويلة، وهي بالتالي أعمق وأكثر تشعبًا من أن تجتث عبر محض اجراءات قانونية. لكننا في اتحاد الشباب الليبرالي المصري نعي جيدًا أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، خاصة وأن القضية الطائفية صارت بمثابة سلسلة من الألغام المخبوءة التي لا يعرف أحد متي ولا أين ستنفجر مجددًا. باختصار، ومع اعترافنا بأن العلاج الناجع لأمراض الطائفية لن يتأتى إلا على المدى الطويل، فإننا ندرك أن علينا أن نتحرك سريعًا ولو بالتسكين، كيلا يتفاقم الصدع ويغدو رأبه مستحيلا. ومن ثم فإننا نطرح على الرأي العام المصري المبادئ الرئيسية لحزمة قانونية ثلاثية نراها كفيلة بتخفيف حدة النزاع الطائفي وتوفير المناخ الملائم للشروع في اجتثاث جذوره الاجتماعية.
أولا: العودة إلى حق الملكية وتجاوز فكرة القانون الموحد في مسألة بناء الكنائس
لا داع هنا للخوض في الجدل القانوني والتاريخي حول مسألة بناء الكنائس في مصر، فالواقع أبلغ من أي دليل. فأولا: يعاني مسيحيو مصر الأمرين من أجل الحصول على رخصة بناء أو توسيع أو ترميم كنيسة، وثانيًا: حتى بعد الحصول على الترخيص، غالبًا ما يواجه القائمون على الكنيسة المعنية تحرشات عدة من قبل السلطات أو المسلمين المقيمين في المنطقة المجاورة، وهو ما قد ينتهي إلى مواجهات دامية ما تكرر عدة مرات في السنوات الأخيرة. الحل المطروح حاليًا يتمثل في قانون موحد لدور العبادة، يحدد شروط الترخيص لدور العبادة جميعًا، وهو ما نراه إقحامًا للدولة فيما ليس من شأنها، وتكريسًا للطائفية عمومًا وتعميقا للمشكلة المسيحية بشكل خاص. ففي رأينا، أولا، أن حق الملكية الخاصة هو الأصل، وأن من يملك الأرض يحق له أن يشيد عليها ما يشاء، مع الالتزام بقواعد السلامة العامة. بمعنى آخر، لا تحتاج دور العبادة إلى ترخيص خاص يختلف عن تراخيص المباني السكنية أو الإدارية. وثانيا، ترتكز معظم مقترحات القانون الموحد على منطق المحاصصة، أو الكوتا، بمعنى أن يتم ربط تراخيص الكنائس بنسبة المسيحيين للمسلمين في منطقة بعينها، أو ربط عدد الكنائس بعدد المساجد، وهو ما يمثل إجحافا لا معنى له. وثالثا، تنطوي فكرة الترخيص ذاتها على خطر بالغ، خاصة وأن القوانين القائمة ومعظم مقترحات القانون الموحد تمنح الترخيص بناءًا على السلطة التقديرية لموظف عمومي (رئيس الجمهورية، المحافظ، إلخ)، وهو ما يفتح الباب للاتهامات الجزافية بالتحيز ضد هذا الدين أو ذلك، ومن ثم للعنف والشغب. رابعًا، حتى وإن افترضنا أن القانون سيطبق دونما انحياز، فإنه سيعني عمليًا تقييد بناء المساجد وليس رفع القيد عن بناء الكنائس.
الخلاصة أننا نقترح رفع كافة القيود على بناء دور العبادة في مصر، وأن يكون حق الملكية وحده هو الأساس في تقرير إمكانية بناء دور العبادة، دون النظر إلى ما عدا ذلك من اعتبارات. وكذلك فإننا نقترح اعتبار أي اعتداء على دار للعبادة باعتباره اعتداء على ملكية خاصة، يحاسب مقترفه مدنيًا وجنائيًا تبعًا لنصوص القانون المصري في هذا الشأن.
ثانيا: إقرار التحول الديني عبر مصلحة الشهر العقاري
بالرغم من رفضنا الأصيل لتعريف الأفراد على أساس انتمائهم الديني، وإيماننا الكامل بحرية الاعتقاد، فإننا لا نستطيع التجاوز عن الاحتقان الذي يصاحب قضايا التحول الديني في مصر. ومن ثم، فإننا ندعو لإقرار قانون يقضي بأن يكون التحول الديني عن طريق إقرار موثق بمصلحة الشهر العقاري، بشرط أن يكون صاحب الإقرار بالغًا سن الرشد ومتمتعًا بكامل قواه العقلية وأن يوقع على الإقرار في حضور محاميه، بغض النظر عن الإجراءات الدينية المتبعة في الأزهر أو الكنيسة أو غيرهما من المؤسسات، ومن ثم لا يعتبر متحولا إلا من يحمل مثل هذا الإقرار. بهذا الشكل يمكن درء كافة الادعاءات التي تحوم حول قضايا التحول الديني، فيما يتعلق باختطاف القصر أو الإناث أو غيرها من القضايا، والتحرك قانونيًا ضد مروجي هذه الادعاءات حال ثبوت كذبها.
ثالثا: إصدار قانون لحظر التمييز الديني
يسود الوسط المسيحي في مصر قناعة عامة بوقوع المسيحيين تحت اضطهاد ممنهج من قبل الدولة والمؤسسات العامة والخاصة (التعيينات الإدارية، تعيينات الجامعات، اختيار اللاعبين في الفرق الرياضية، إلخ)، وهو - وإن لم يخل من مبالغة في كثير من الأحيان - ما دفع المسيحيين للانعزال - قسرًا وطواعية - إلى شبكاتهم المجتمعية الخاصة. ومن ثم فإننا نقترح قانونًا لحظر التمييز الديني في المؤسسات العامة والخاصة، يعجل بإجراءات الفصل في دعاوى التمييز ويعالجها بالتصحيح والتعويض معًا (وليس التعويض فقط)، كما ينص تفصيلا على الاستثناءات التي يعتبر فيها التمييز جائزا، كما الحال مع الوظائف ذات الطبيعة الدينية على سبيل المثال. والهدف من هذا المقترح لا يقتصر على رفع الظلم في حالات التمييز، وإنما أيضًا تخفيف حدة إحساس المسيحيين بالاضطهاد ودفعهم للتفاعل الإيجابي مع المجتمع ولو عن طريق التقاضي.